أحمد بن علي القلقشندي

6

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

إرادات ، كانت الأمّة منذ زمان لم تر مثالها ، وساعدت العناية الربّانيّة فلم تؤن ( 1 ) مقصودا جميلا ، ولا منّا جزيلا . وإلى هذا - أدام اللَّه كرامتكم - فإنا لم نزل مع طول المباشرة للأحوال كلَّها ، وتردّد المشاهدة لعقد الأمور وحلَّها ، نقف وقوف المتأمل على جزئيّات الأمور وكليّاتها ، ولا يغيب عن تصفّحنا وتعرّفنا شيء من مصالح الجهات وكيفيّاتها ، ولم نمرّ بمائل إلا تولَّينا إقامته ، وأعدنا إليه اعتداله واستقامته ولا انتهينا إلى صواب قول أو عمل إلا شدنا مبناه ، وأظهرنا لفظه ومعناه . والآن حين استوفى إشرافنا على البلاد قاطبة ، ولزمنا بحكم القيام للَّه في خلقه بحقّه أن نتعهّد الكافّة دانية ونائية وشاهدة وغائبة ، ورجونا أن نتخلَّص من القسم الأوّل في قوله عليه السّلام : « اللَّهمّ من ولي من أمر أمّتي شيئا فرفق بهم فارفق به » بأعمال على الرّفق دائبة ، وعلى الحقّ مواظبة - صرفنا أعنّة الاعتناء بجوامع المصالح فرأينا الدّين ينظم تبدّدها ، ويستوعب تعدّدها ، لا تشذّ مصلحة عن قوانينه ، ولا تنال بركة إلا مع تحصينه وتحسينه ؛ واللَّه تعالى يعيننا وإياكم على إقامة حدوده ، وإدامة عهوده . وأوّل ما يتناول به الأمر كافّة المسلمين الصلاة لأوقاتها ، والأداء لها على أكمل صفاتها ، وشهودها إظهارا لشرائع الإيمان في جماعاتها ، فقد قال عليه السّلام : « أحبّ الأعمال إلى اللَّه الصّلاة ؛ فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع » . وقال عمر رضي اللَّه عنه : « ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصّلاة » ؛ فهي الرّكن الأعظم من أركان الإيمان ، والأسّ الأوثق لأعمال الإنسان ، والمواظبة على حضورها في المساجد ، وإيثار ما لصلاة الجماعة من المزيّة على صلاة الواحد ، أمر لا يضيّعه المفلحون ، ولا يحافظ عليه إلا المؤمنون . قال ابن مسعود رضي اللَّه عنه : « لقد رأيتنا وما يتخلَّف عنها إلا منافق معلوم النّفاق ، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرّجلين حتّى يقام في الصّف » ، وشهود الصبح والعشاء الأخرة شاهد بتمحيص الإيمان ؛

--> ( 1 ) ونى الشيء ، وعنه : تركه ، فهو وان وهي وانية .